الشيخ محمد رشيد رضا

18

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ) ولا يمنع الانسان من إتيان ما يود إلا عجزه . وإذا كان هذا جائزا - وهو الظاهر على الوجه الأول - فهو متعين على الوجه الثاني . أما اتصال الآية بما قبلها على هذا فظاهر جلى . فإنه بعد ما وبخ أهل الكتاب على كفرهم وصدهم عن سبيل اللّه ، وهو الاسلام ، إثر إقامة الحجج عليهم وإزالة شبهاتهم ناسب أن يخاطب المؤمنين مبينا لهم أن من كان هذا شأنهم في الكفر وهذا شأن ما دعوا إليه في ظهور حقيقته لا ينبغي أن يطاعوا ولا أن يسمع لهم قول . فإنهم دعاة الفتنة ورواد الكفر . ولذلك قال : ( وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ ) بطاعتهم واتباع أهوائهم ( وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ ) وهي روح الهداية وحفاظ الايمان ( وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ) يبين لكم ما نزل إليكم ، ولكم في سنته وإخلاصه خير أسوة تغذى إيمانكم وتنير برهانكم . فهل يليق بمن أوتوا هذه الآيات ، ووجد فيهم هذا الرسول الحكيم الرؤوف الرحيم : أن بتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا ، حتى استحوذ عليهم الشيطان ، وغلب عليهم البغى والعدوان ، وعرفوا بالكذب والبهتان ؟ فالاستفهام في الآية للانكار والاستبعاد ( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ ) وبكتابه يكون الاعتصام إذن هو حبله الممدود ، ورسوله هو الوسيلة إليه . وهو ورده المورود ( فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) لا يضل فيه السالك ، ولا يخشى عليه من المهالك ، فلا تروج عنده الشبهات ولا تروق في عينه الترهات وقد جاء جواب الشرط بصيغة الماضي المحقق للاشعار بأن من يلتجىء إليه تعالى ويعتصم بحبله فقد تحققت هدايته وثبتت استقامته . ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ) أي واجب تقواه وما يحق منها ؛ كما في الكشاف ، قال : مثله قوله تعالى ( 64 : 16 فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) أي بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئا : اه . هذا ما فسر به العبارتين في الآيتين بحسب ذوقه السليم وفهمه الدقيق ، ثم نقل بعض ما ورد فيهما ، وما قاله هو المتبادر ، ومعنى العبارتين عليه واحد . ومن الناس من فهم أن الآيتين متعارضتان